الشيخ محمد الصادقي

42

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

253 - تِلْكَ الرُّسُلُ على درجاتهم حيث فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بالوحي ، فالرسالة مادة ومدة ، ف مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ كموسى ( ع ) وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ على كلهم كما أنت يا محمد ( ص ) وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ المعروفة في كتابات الوحي وفي القرآن وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ في نفسه عصمة داخلية ، وغيرها بملك الوحي وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ في شرائعهم تسييرا لهم أن يتركوه ، فقد جعلهم مختارين مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ لرسالاتهم وفي كتاباتهم وَلكِنِ اخْتَلَفُوا رغم بيناتهم فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بها وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كفرا أو كفرانا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ تكوينيا مَا اقْتَتَلُوا حيث يشاء عدمه تشريعيا مطلقا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ حسب الحكمة العالية الربانية : " لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ " ( 21 : 23 ) . 254 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا في سبيل اللّه مِمَّا رَزَقْناكُمْ من حال ومال يصح ويرجّح أو يجب إنفاقه ، مما يدل على حق الزكاة في كافة الأرزاق ، دون اختصاص بالتسعة المفتراة على شريعة اللّه ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ برزخا وأخرى لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ فإنها تختص بيوم التكليف حيث تنتج ليوم الجزاء ، فشفاعة الشافعين المأذونين من اللّه تنفع من استعد لها هنا وَالْكافِرُونَ حتى موتهم كافرين هُمُ الظَّالِمُونَ أنفسهم وسواهم . 255 - اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في كافة ميّزات الألوهية الْحَيُّ بذاته سرمديا الْقَيُّومُ لنفسه ولما سواه من المربوبين ، فحياته تعم صفات ذاته ، وقيموميته تعم صفات فعله رحمانية ورحيمية لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ قد تأخذ غيره دون نوم وَلا نَوْمٌ قد يأخذ غيره دون سنة أو معها ، فكلا السنة والنوم هما من رخوة الأعصاب وعيّ الأشغال وهو " الْحَيُّ الْقَيُّومُ " فقط لَهُ لا سواه ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وهما كل الكون ، ملكية وملكية لا حول عنهما إلى من سواه مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ والكائنات برمتها عنده إِلَّا بِإِذْنِهِ دون تحويل ولا توكيل ، بل عند الشفاعة خصوصا ، وبشروطهما عموما يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ علما وقضاء السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الكون كله وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ « 1 » . 256 - لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ طاعة قلبية دون تبيّن ، إذ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فعنده يلزم من تبين له الرشد على تطبيقه ، فلا ينافي عدم الإكراه في الدين الحمل على فعل المعروف وترك المنكر ، المقبولين بحجتهما أصليا وفرعيا فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ لتبيّن غيه وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ لتبين رشده فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها اللهم إلا الذين " جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا " ( 27 : 14 ) فهم يكرهون على لفظة الإيمان وعمله بحجة تبين أصل الدين وفرعه وَاللَّهُ سَمِيعٌ مقالاتكم عَلِيمٌ بحالاتكم . وهنا ندرس أن قبول الحق لا يقبل الإكراه ، وإنما يكره من تقبّله ، أو يجب عليه قبوله ببينات حجته ، يكره على العمل به ، فالعقائد العقلية والقلبية غير قابلة لإكراه بعد تبينها إذ هي مقبولة مهما جحدت وآية الكرسي هي هذه وحدها ، لمكان تاء الوحدة " آية " ثم " كرسيه " فيها وقد عدّت في حديث الرّسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم بخمسين كلمة " الا الواو "

--> ( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 90 ، ص 350 الطبعة اللبنانية